ابن أبي شريف المقدسي
206
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
( وإلا ) أي : وإن لا يكن ما ذكرنا بأن كان ما ذكره من أن إعجازه بالصرف ( كان الأنسب ) على قولهم ( ترك بلاغته ، فإنه إذا كان غير بليغ ولم يقدروا على معارضته كان أظهر في خرق العادة به ) ولأن القول بالصرف ينافي المنقول عمن كان يسمعه من البلغاء من طربهم لبلاغته وحسن نظمه وتعجبهم من سلاسته مع جزالته ومن وصفهم إياه بما يدل على ذلك ، وقد فصل صاحب الشفاء بعض ذلك « 1 » . ( وأما ) الأمر الثاني وهو ( حاله ) صلى اللّه عليه وسلم ، ( فما ) أي : فهو ما ( استمر عليه من الآداب الكريمة ، والأخلاق الشريفة التي لو أفني العمر ) بالبناء للمفعول ( في تهذيب النفس لم تحصل ) لمن أفنى عمره في التهذيب ( كذلك ، ) أي : كما حصلت له صلى اللّه عليه وسلم ، وتلك الأخلاق هي ما ورد من سماته الشريفة بالأسانيد الصحيحة التي هي في كل منها أخبار آحاد متعددة ، يفيد مجموعها تواتر القدر المشترك بينها ، وهو ثبوت ذلك الخلق له صلى اللّه عليه وسلم ( كالحلم ) وهو كما في « الشفاء » : حالة توقير وثبات عند الأسباب المحركات « 2 » ، ( وتمام التواضع ) منه صلى اللّه عليه وسلم ( للضعفاء بعد تمام رفعته ، و ) تمام ( انقياد الخلق له ، والصبر ، ) وهو : حبس النفس عند حلول ما تكره ( والعفو ، ) وهو : ترك المؤاخذة بالذنب ( مع الاقتدار ) وقوله : ( عن المسئ إليه ، ) متعلق بالعفو ، ( ومقابلة السيئة بالحسنة ، والجود ، ) وقد مر تفسيره في صحيح البخاري عن ابن عباس : « كان النبي صلى اللّه عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان » الحديث « 3 » ، وفيه عن جابر : « ما سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم شيئا قط فقال لا » « 4 » ( وتمام الزهد في الدنيا ، و ) شدة ( الخوف من اللّه تعالى ، حتى أنه ليظهر عليه ) أثر ( ذلك ) الخوف الشديد ( إذا عصفت الريح ونحوه ) أي : نحو وقت عصف الريح ، من الأوقات التي تعرض فيها « 5 » عوارض سماوية من الكسوف وغيره « 6 » ، أو نحو ما ذكر من هذه الأخلاق الشريفة ، كالوفاء بالوعد ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، والحياء ، وما ينتظم في هذا المسلك ، فقد كان صلى اللّه عليه وسلم أعلى الخلق مقاما في كل
--> ( 1 ) انظر : الشفاء ، 1 / 529 . ( 2 ) المرجع السابق ، 1 / 135 . ( 3 ) الحديث أخرجه البخاري في كتاب الصوم ، باب أجود ما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يكون في رمضان ، رقم 1803 ، وفي كتاب المناقب ، باب صفة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، رقم 3361 . ( 4 ) الحديث أخرجه مسلم برقم 1805 ، وأخرجه القاضي عياض في الشفاء ، 1 / 145 . ( 5 ) سقطت في ( م ) . ( 6 ) في ( م ) : ودوام فكره .